علي الهجويري

70

كشف المحجوب

وقد سألت - أنا علي بن عثمان الجلابي - الشيخ الكبير أبا القاسم الجرجاني في طوس قائلا : « ما أدنى ما على الدرويش أن يصنعه ، حتى يكون خليقا بالفقر ؟ . فأجاب : عليه أن يكون لديه ما لا يقل عن أشياء ثلاثة : أولها أن يحسن خياطة رقعته ، وثانيها أن يحسن الإصغاء ، وثالثها أن يحسن وضع قدمه على الأرض . وكان عدد من الدراويش حضروا معي عندما قال هذا ، وما أن غادرنا المكان وعدنا إلى دويرة حتى بدأ كل منا تطبيق هذا القول على نفسه ، وأقبل بعض الجهلاء يفسرونه حسب أهوائهم ، وقال البعض « هذا هو الفقر حقيقة » وأسرعوا يصنعون الرقع بعناية ، ويطئون الأرض بصورة صحيحة ، وتخيل كل منهم أنه يعرف كيف يحسن الانصات لما يقال في التصوف . وبما أن قلبي كان متعلقا بالسيد ، ولم أرد أن يذهب كلامه هدرا ، قلت : فليقل كل قوله في هذا الموضوع ؛ فبدأ كل واحد يشرح وجهة نظره وعندما جاء دورى قلت : « الرقعة الصحيحة هي تلك التي تحاك من أجل الفقر لا من أجل التظاهر ، فإذا حيكت من أجل الفقر كانت صحيحة حتى وإن كانت حياكتها خاطئة ، والكلمة الصحيحة هي تلك التي تسمع بحال أمينة ، والتي يتم تطبيقها بجد لا بهزل ، والتي يعيها القلب لا العقل ، والخطوة الصحيحة هي تلك التي توضع على الأرض بنشوة حقيقية لا بصورة هازلة أو متكلفة . وقد وصلت ملاحظاتى إلى السيد أبى القاسم الجرجاني الذي قال : « لقد أحسن على أثابه اللّه » . وهدف الجماعة من لبس المرقعات أن يخففوا عبء هذه الدنيا ، ويخلصوا في فقرهم إلى اللّه . ويروى من الأخبار الصحيحة أن عيسى بن مريم عليه السّلام كان يلبس المرقع عندما رفع إلى السماء وقال أحد المشايخ : لقد رأيته في منامي لابسا حلة مرقعة من الصوف والنور يشرق من كل رقعة ، فقلت : أيها السيد المسيح ما هذا النور الذي يخرج من ردائك ؟ فأجاب نور الرحمة ، فقد وضعت كل رقعة